الجصاص

119

أحكام القرآن

ومحمد فقالا : " إن الصابئين ليسوا أهل الكتاب " ولم يفصلوا بين الفريقين . وقد روي في ذلك اختلاف بين التابعين . وروى هشيم أخبرنا مطرف قال : كنا عند الحكم بن عيينة ، فحدثه رجل عن الحسن البصري أنه كان يقول في الصابئين : هم بمنزلة المجوس ، فقال الحسن : أليس قد كنت أخبرتكم بذلك ؟ وروى عباد بن العوام عن الحجاج عن القاسم بن أبي بزة عن مجاهد قال : " الصابئون قوم من المشركين بين اليهود والنصارى ليس لهم كتاب " ، وكذلك قول الأوزاعي ومالك بن أنس . وروى يزيد بن هارون عن حبيب بن أبي حبيب عن عمرو بن هرم عن جابر بن زيد أنه سئل عن الصابئين : أمن أهل الكتاب هم وطعامهم ونساؤهم حل للمسلمين ؟ فقال : نعم . وأما المجوس فليسوا أهل كتاب ، بدلالة الآية ولما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " وفي ذلك دلالة على أنهم ليسوا أهل كتاب . وقد اختلف أهل العلم فيمن تؤخذ منهم الجزية من الكفار بعد اتفاقهم على جواز إقرار اليهود والنصارى بالجزية ، فقال أصحابنا : " لا يقبل من مشركي العرب إلا الاسلام أو السيف وتقبل من أهل الكتاب من العرب من سائر كفار العجم الجزية " . وذكر ابن القاسم عن مالك : " أنه تقبل من الجميع الجزية إلا من مشركي العرب " وقال مالك في الزنج ونحوهم : " إذا سبوا يجبرون على الاسلام " . وروي عن مجاهد أنه قال : " يقاتل أهل الكتاب على الجزية وأهل الأوثان على الصلاة " ، ويحتمل أن يريد به أهل الأوثان من العرب . وقال الثوري : " العرب لا يسبون وهوازن سبوا ثم تركهم النبي صلى الله عليه وسلم . وقال الشافعي : " لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب عربا كانوا أو عجما " . قال أبو بكر : قوله تعالى : ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) يقتضي قتل سائر المشركين ، فمن الناس من يقول : إن عمومه مقصور على عبدة الأوثان دون أهل الكتاب والمجوس ، لأن الله تعالى قد فرق في اللفظ بين المشركين وبين أهل الكتاب والمجوس بقوله تعالى : ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا ) [ الحج : 17 ] فعطف بالمشركين على هذه الأصناف ، فدل ذلك على أن إطلاق هذا اللفظ يختص بعبدة الأوثان وإن كان الجميع من النصارى والمجوس والصابئين مشركين ، وذلك لأن النصارى قد أشركت بعبادة الله عبادة المسيح والمجوس مشركون من حيث جعلوا لله ندا مغالبا ، والصابئون فريقان ، أحدهما عبدة الأوثان والآخر لا يعبدون الأوثان ولكنهم مشركون في وجوه أخر ، إلا أن إطلاق لفظ المشرك يتناول عبدة الأوثان ، فلم يوجب قوله تعالى : ( فاقتلوا المشركين ) إلا قتل عبدة الأوثان دون غيرهم . وقال آخرون : لما كان معنى الشرك موجودا في مقالات هذه الفرق من النصارى